سيد قطب
1190
في ظلال القرآن
قهرا على الهدى ؛ أو أن يهديهم لو توجهوا للهدى ؛ أو أن يعجزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به . . ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار . وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء اللّه - بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره - وقدر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه ؛ كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إياه . فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء اللّه من الأذى إلا ما قدره اللّه : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ » . . فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات ؟ يخلص لنا ابتداء : أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي ؛ ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء . . هم « شياطين » ! . شياطين من الإنس ومن الجن . . وأنهم يؤدون جميعا - شياطين الإنس والجن - وظيفة واحدة ! وأن بعضهم يخدع بعضا ويضله كذلك مع قيامهم جميعا بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء اللّه . . ويخلص لنا ثانيا : أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئا من هذا كله ، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم . إنما هم في قبضة اللّه . وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده . من تمحيص هؤلاء الأولياء ، وتطهير قلوبهم ، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء . فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كف اللّه عنهم الابتلاء . وكف عنهم هؤلاء الأعداء . وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر اللّه . وآب أعداء اللّه بالضعف والخذلان ؛ وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ » . . ويخلص لنا ثالثا : أن حكمة اللّه الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا - فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة - وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان - فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا : أيصبرون ؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل ؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة للّه ، على السراء وعلى الضراء سواء . وفي المنشط والمكره سواء ؟ وإلا فقد كان اللّه قادرا على ألا يكون شيء من هذا الذي كان ! ويخلص لنا رابعا : هو ان الشياطين من الإنس والجن ، وهو ان كيدهم وأذاهم . فما يستطيلون بقوة ذاتية لهم ؛ وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن اللّه به على أيديهم . . والمؤمن الذي يعلم أن ربه هو الذي يقدر ، وهو الذي يأذن ، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين ؛ مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانهم المدّعى . ومن هنا هذا التوجيه العلوي لرسول اللّه الكريم : « فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ » . . دعهم وافتراءهم . فأنا من ورائهم قادر على أخذهم ، مدخر لهم جزاءهم . . وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين ، وابتلاء المؤمنين . . لقد قدر اللّه أن يكون هذا العداء ، وأن يكون هذا الإيحاء ، وأن يكون هذا الغرور بالقول والخداع . . لحكمة أخرى : « وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَلِيَرْضَوْهُ ، وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة . . فهؤلاء يحصرون همهم كله في الدنيا . وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون بالمرصاد لكل نبي ، وينالون بالأذى أتباع كل نبي ، ويزين بعضهم لبعض القول والفعل . فيخضعون للشياطين ، معجبين بزخرفهم الباطل ، معجبين بسلطانهم الخادع . ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشر والمعصية والفساد . في ظل ذلك الإيحاء ، وبسبب هذا الإصغاء . .